مقدمة:
ويتابع المصنف في (العهد العثماني) حركة الأدب بعامة والشعر بخاصة . حيث قسم العهد العثماني الذي ينتهي بانتهاء الدولة العثمانية في العام 1342 هـ (1924م) الى أربعة عصور، يبدأ بالعصر المغولي وينتهي بعصر التدهور وبينهما عصر الفتوحات وعصر الاستقرار، ويعتبر العصر المغولي هي الحلقة بين سقوط الحكم العباسي وقيام الحكم العثماني، ويشير الى الفساد الذي استشرى في قصر المستعصم بالله العباسي وعدم استماعه الى صوت العقل ونصائح العقلاء من وزرائه من قبيل الوزير محمد بن العلقمي لتجنيب سقوط بغداد بيد المغول الذين راحوا يحتلون المدن الاسلامية كالسيل العرم، وبشكل عام: "وفي هذه الفترة العصيبة لم يكن للحركة الأدبية مرتع يناسبها فقد ضعفت مباني الشعر وتراكبيه واتجه من كان بمقدوره نظم الشعر في ظل هذه الظروف الى تناول المعاني المتداولة وبرز العنصر الديني في الأدب والشعر معا".
وفي العصر العثماني الذي ابتدأ من إنشاء الدولة العثمانية عام 680 هجرية، انفتحت شهية الحكام على الفتوحات والحروب، وفي المقابل انعقد لسان: "الأدب العربي في ظل هذه الحروب والانتهاكات والاحتلالات وتعاقب الحكومات من شتى اللغات والقوميات غير العربية والتي على أثرها دخل اللحن في اللغة والتسيب في آدابها وظهر الشعر الملمع بالتركية والفارسية والهندية وغيرها، واستخدمت الكلمات الدخيلة وراجت اللهجات الدارجة".
وبعد أن استولى العثمانيون على جل البلاد العربية حل (عصر الاستقرار) فاستتب الأمن وافترشت لهم وسادة الحكم، وحاولوا جاهدين تحميل ثقافتهم التركية على المسلمين مع التزامهم بالثقافة الاسلامية بشكل عام. وقد اتسم (الحكم العثماني الأول) ، بالاستبداد، والطائفية، والقومية، وبروز التصوف، والعنف، وهذه أثرت على النتاج الأدبي النثري والشعري، حيث اكتسب الأدب في عصر الاستقرار الكثير من سمات هذه الظواهر، حيث: "تمكن الضعف في النفوس وفسدت ملكة اللسان وجمدت القرائح فلا نبغ شاعر مشهور خارج البلاد العربية، لان البيئة الأدبية قد انكمشت انكماشا ملموسا فانحصرت في مصر والشام وحدهما"، وأفضل من يصف حالة الأدب في ذلك العصر هو البكاشكيري (992هـ) صاحب العقد المنظوم في أفاضل الروم، حيث يقول: "قد انتهيت الى زمان يرون الأدب عيباً ويعدون التضلع في الفنون ذنبا والى الله الحنان المشتكى من هذا الزمان"، على انه برز في هذا العصر كما يقول البحاثة الكرباسي: "شعر التصوف والمدائح النبوية بشكل عام وخفت الأغراض الشعرية الأخرى كالغزل والفخر والحماسة والمدح وما شابه ذلك ومعه خف المستوى الأدبي والإبداعي في الشعر، كما برز شعراء مخضرمون ينظمون بالعربية وبالفارسية أو بالتركية والعربية".
وبموت السلطان سليمان الثاني (ت 1102هـ) حكم الدولة العثمانية سبعة عشر سلطانا حتى انقراضهم، وهذه الفترة يصفها المؤلف بأنها فترة (عصر التدهور) حيث نشبت الحروب على أطراف الدولة العثمانية نتج عنها استقطاع المدن وضمها الى هذه الدولة او تلك، أو الاستقلال بنفسها، وبالتبع نال الأدب النثري والشعري ما نال الواقع السياسي العام، وهكذا: "ضعف الشعر في هذا العصر وأصبح ركيك الأسلوب، سخيف المعاني، كثير الأغلاط، ضعيف الأغراضولهذا فان: "المجموعة الشعرية التي حصلنا عليها عن هذه الفترة والتي تطابق تاريخيا القرنين الثاني عشر والثالث عشر، والنصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري تزايدت باضطراد"، فان: "عددهم في هذه الفترة تجاوز 330 شاعرا، القرن الثاني عشر نحو ستين شاعرا، القرن الثالث عشر نحو 130 شاعرا، القرن الرابع عشر حتى عام 1342 هـ نحو 130 شاعرا، والعيون منهم نحو خمسين شخصية".
سبب انهيار الدولة العثمانية
والتي انهار معها الوضع الاجتماعي والسياسي والأدبيللأمة الإسلامية في النقاط التالية :


1 ـ زواج السلاطين العثمانيين بالأجنبيات وتدخلهن فيشؤون الدولة وربما بتآمر .



2

ـ انهماك السلاطين فيالملاذ الجنسية وقد استغلت من قبل الأجانب .

3


ـ عدمإعداد السلاطين قبل توليهم أمور البلاد .

4


ـ تفشيالخيانة بين أولياء الأمور وعدم معالجة أسبابها .

5


ـعدم دراسة الوضع الأمني الخارجي والمخططات الأجنبية لبلاد المسلمين .

6


ـ إعطاء الامتيازات إلى الدول الأجنبية دون قيد أو شرط أومراقبة .

7


ـ عدم التخطيط والإعداد لحكم بلاد شاسعةمترامية الأطراف .

8


ـ استخدام الدين كوسيلة لخدمةمصالحهم .

هذه النقاط بالإضافة إلى أمور خمسة مارسهاالسلاطين العثمانيون بشكل مباشر أو غير مباشر وقد سبق ذكرها في الفترة الزمنيةالسابقة وهي ممارسة الاستبداد والتعامل بورقة الطائفية والقومية ، وبث فكرة التصوفبين الشعوب ، وممارسة العنف في معاملاتهم ، كل هذه مجتمعة أدت إلى هذه الحالة وجلبتلهم الويل والذكر السيّء وتقهقر الأدب والشعر بل تراجعت الثقافة والآداب بشكل عامحتى وصل الأمر إلى أن الكثير ممن كتب عن تاريخ الأدب العربي أهمل الكتابة عن هذهالفترة واقتصر على الكتابة عن الأدب في أعقاب الدولة العباسية ثم كتب عن الأدبالحديث الذي بدأ بأفول الدولة العثمانية .
ومصر : لما جاء العصر العثماني لم يكن للأدب من يشجعه ولا للغة العربية من يعطفعليها ، وأغلق ديوان الإنشاء ، وسادت التركية والعامية ، وذهب مجد العربية وعظمتها، وأثر كل ذلك في الكتابة الفنية فأورثها ضعفاً ووهناً ، وزادت قيودها الفنية التيأكسبتها سقماً وتخاذلاً وأصبحت مجرد ألفاظ لا تُكاد يُفهم منها معنى ، ولا تستبينمنها فكرة ، ولا تهتدي بها إلى غاية ، وجنى إهمال الملكات والجهل بأصول الكتابة علىأسلوبها الذي صار مزيجاً من العامية والعربية واستعمل الكتاب الألفاظ التركيةتظرفاً وتأثراً بلغة الحاكمين وأصبح التقليد هو البلاغة ، وعجز الكتاب عن أن ينشؤواأدباً نابغاً من أعماق النفس ، مصوراً لمشاعر الكاتب ووجدانه وعواطفه ، وأخذ بعضالكتاب ينشؤون نماذج فنية مختلفة من الرسائل ليكتبها من يريد هذا الموضوع أو ذاك ،وقد ذاعت هذه الكتب وتداولها الناس وصارت كذلك مصدر خطر على الكتابة الفنية البليغة، وقد تعثر أسلوب الكتابة في الركاكة والحرص على المبالغة وعلى البديع والحلىاللفظية المكلفة من تورية واستخدام وجناس واقتباس وأفقرت الكتابة من المعانياللطيفة والفكرة السرية والخيال البديع وقد أصبحت موضوعات الكتابة محدودة فكتابةالرسائل الديوانية أصبحت باللغة التركية ، واقتصرت الكتابة على الرسائل الإخوانيةوعلى الرسائل الأدبية وعلى التأليف في الموضوعات التاريخية وما إليها وقد ظل الكتابيكتبون المقامات ، ولكن أسلوب المقامات في هذا العصر هو أسلوب الكتابة الذي قدمناوصفه فما وجد عليه من خصائص ومميزات ، ويمكننا أن نلخص أسباب ضعف الكتابة فيما يلي :
1



ـ عدم تشجيع الولاة الكتاب والأدباء لجهلهم بالأدبوالعربية .

2


ـ انصراف الكتاب عن الكتابة .

3


ـ ضعف الثقافة وركود القرائح والأذهان .

4


ـ اهتمام الكتاب بالمحسنات البديعية اللفظية اهتماماً فاق كلاهتمام .

5


ـ جعل التركية لغة رسمية .

6


ـ إغلاق ديوان الإنشاء .

ولم يكن حظ الشعر في هذا العصر بأكثر من حظ النثر فقد ضعفت العناية به وقلت الرغبةفيه ولم يجد الشعراء راعياً لهم يصلهم بعطائه ويصلونه بمدائحهم لذلك انتهى التكسببالشعر وعاش الشعراء في فقر وشقاء ومحنة واشتغل أكثرهم بالتأليف .
ولكن هناك من يؤرخ عصرالانحطاط هذا بتولي العثمانيين الحكم ويزنالشعر والنثر في عصرهم بقوله : « ويتفق مؤرخو الأدب على أن حالة الشعر كانت خيراًمن حالة النثر لأن الشعر بما فيه من قيود أصلية يمنع الشاعر من الاسترسال في صناعتهوتكلفاته الكثيرة ، ويجعله يقلل من مبالغاته على عكس النثر الذي كان الأصل فيه أنيكون حراً من كل قيد ، ولكنه كان أكثر خضوعاً للصناعة ، ويختلف مؤرخو الأدب العربيفي الشعر فبعضهم يرى أنه وصل إلى النهاية من انحطاطه لما يرى من كثرة الشعر السخيف، ويستثني من ذلك أقل الشعر الذي قلت فيه الصناعة ، أو لم تفسد فيه المعنى ،ويقولون إن أجوده ما نظم في أوائل هذه العصور كشعر البوصيري والحلي والشاب الظريفإن هناك الكثير من المؤرخينوالأدباء وغيرهم يحملون على العثمانيين حملة شعواء وكأنهم الوحيدون فيما أساؤوا إلىالإسلام وإلى الأدب العربي بل سبقهم إلى ذلك الكثير من الامبراطوريات والدول ، وليسمن الإنصاف أن نبخس الناس أشيائهم مهما كانوا ولا بد أن نبحث الأمور بموضعية سواءاتفقنا معهم بالرأي أم اختلفنا ولا شك بأن العثمانيين أساؤوا الكثير الكثير ، وقدسبق الحديث عن ذلك ولكن ما نتصوره بأن الغرب كان له جل الدور إن لم يكن كله في هذهالحملة الشعواء عليهم فقد أثارت المشاعر القومية من جهة والتخلف والجهل والاضطهادمن جهة أخرى فلم تظل للدولة الإسلامية العظمى
قائمة إلى يومنا هذا ، وعلى أية حال فلا يمكن أن نقبس كل فترات الحكم العثمانيبمقياس واحد .
ويقارن الخفاجي بين شعراء الشام ومصرويقول : وفي هذا العصر ظهر لشعراء الشام فضل على شعراء مصر بينما كان السبق فيميادين الشعر في العصور السابقة لشعراء مصر ، إذ كانوا أكثر تفوقاً ، وأعظم تجويداًوإجادة .
ثم يشرح عن مميزات الشعر في هذا العصر قائلاً : وكان للشعر في هذا العصرمميزات ظاهرة في معانيه وأخيلته وألفاظه وأسلوبه وفيأغراضه ، فأما من حيث الأخيلة فقد كانت محددة بسيطة قريبة ، لا تعتمد إلا علىالتشبيه والمجاز المتكلفين ، ومن حيث المعاني فقد كان أكثرها معان تقليدية ليسلشعراء هذا العصر فضل في تركيبها ولا في ابتكارها ، وكثرت سرقات الشعراء بعضهم منبعض ، ولم يصحب هذه السرقات تصرف في الأسلوب ، ولا في الفكرة ، ولا في الخيال ، أوالمعنى ، ونجد عند قليل من شعراء هذا العصر بعض المعاني الجديدة التي كانت أثراً منآثار الامتزاج بين الثقافات .
وأما من حيث الأساليبوالألفاظ فقد كثرت في هذا العصر الزخارف اللفظية والمحسنات البديعية الممقوتةالمتكلفة والمتخاذلة ، وعجز الشعراء عن النظم السمح وعن الأسلوب السهل وعن شعرالطبع والموهبة عجزاً بيناً ، وقد ابتدعوا في المحسنات اللفظية نوعاً جيداً سميالتاريخ الشعري.
وأما أغراض الشعر في هذا العصر فقد وقف الشعر عند أغراض المتقدمينواقتصر الشعراء على تقليد السابقين وقد أسرف الشعراء في المجون والعبث ونظم بعضالشعراء في الموشحات .
وهكذا ضعف الشعر في هذا العصروأصبح ركيك الأسلوب ،
سخيف المعاني ، كثير الأغلاط ، ضعيف الأغراض ، إذ كان أغلبه في الغزل الصناعي وكانمن أسباب ضعفه مما يأتي :
1



ـ كان الحكام العثمانيونمتعصبين لنشر لغتهم التركية .

2


ـ كان الحكام يجهلوناللغة العربية فأبعدوا الشعراء عن مجالسهم .

3


ـ انتشرالجهل في عهدهم لإغلاق معاهد العلم وعدم العناية بالثقافة .

4


ـ كثر الظلم والاستبداد ، فشغل الناس بأنفسهم عن الأدب والشعر .

5


ـ ضعف المواهب والملكات بتأثير النكبات التي أحاطتبالثقافة العربية وبالعالم العربي،ولمحاربة العثمانيين للبلاد العربية حرباً خفية من شأنها أن تعوق نهض هذه البلادوتقدمها وازدهار العلم والأدب والثقافة فيها .

6


ـ فقدانروح التشجيع للشعراء والأدباء ، والأدب لا يزدهر إلا إذا وجد من يعمل لإنعاشه ويشجععلى خدمته.

أما أشهر شعراء العصر العثماني فهم: عبد الله بن أحمد باكثير (ت925هـ). شهاب الدين العناياتي (ت1014هـ). فتح الله النحاس الحلبي المدني (ت1052هـ). ابن معتوق، شهاب الدين الموسوي (ت1087هـ). منجك اليوسفي الدمشقي (ت1080هـ). ابن النقيب الحسيني (ت1081هـ). مصطفى الباني الحلبي (ت1091هـ). عبد الغني النابلسي (ت1143هـ). عبد الله الشبراوي (ت1171هـ). أحمد المنيني الطرابلسي (ت1172هـ). عامر الأنبوطي (ت1173هـ). جعفر البيتي المدني (ت1182هـ). عبد الله الأدكاوي المصري (ت1184هـ).


نظم كل من الـ21 شاعرا عددا مختلفا من القصائد . ويبدو أن هؤلاء القلة قد كتبواكثيرا فمتوسط عدد القصائد للشاعر الواحد هو 222 قصيد . وأكثر القصائد والأبياتنظمها عبدالغني النابلسي وهي 951 قصيدة مع أكثر عدد من الأبيات وهو 13590 بيتا منالشعر . وكان عبدالغني هذا ، شاعرا عالما بالدين والأدب ومتصوفا .


شعراء العصر العثماني
تناول شعراء العصر العثماني الأم في أشعارهم مبينين الدور الذي تلعبه في بناء جيل صحيح مثل الشعراء: ابن رازكة، والحبس، والعشاري، وعبد العزيز الفشتالي، وعبد الغني النابلسي، ومحمد الصفاقسي، يقول الشاعر ابن رازكة:
أبو الطلاب لا ينفك منهم *** حنان الأم بالطفلِ العظيمِ
وقول الحبسي:
مَن جَرّب الناس لم تخدمه ضاحكة *** في الناس شتان بين الأم والأبِ
وقال العشاري:
وأنت يماني الأصول ويانع الفروع *** وزكي الأم والأب والجد
ثم ذكر عبد العزيز الفشتالي الأم قائلاً:
يا مولداً وبهِ الأيام قد عُقمت *** وهي الولائد عقم الأم بالولدِ
كذلك قال عنها عبد الغني النابلسي:
لم يُدنس لهُ نسب بكفرٍ *** إذا ما الأم تظهر تزدرِيه